صاحب انتخابات نقابة المحامين السودانيين زخم كبير
وتصريحات نارية من جميع الاطراف المعنيين بتلك الإنتخابات , وقد جرت عملية الانتخابات
في أجواء شابها استقطاب كبير من جميع الاحزاب السودانية على حد سواء وكالعادة نزل المؤتمر
الوطنى ومن تحالف معه من احزاب التوالي ضد مكونات تحالف المحامين الديمقراطيين ,
ومع الظروف الراهنة التي يمر بها السودان من احتجاجات جماهيرية واسعة وغير مسبوقة
انتظمت السودان ككل والظروف الاقتصادية العاصفة التي أدت إلى أزمات سياسية وأمنية
ضربت حتى النظام الحاكم نفسه , ومع أن العديد من انتخابات النقابات السودانية تقام
على الدوام فإن أشرس معركة نقابية ظلت مستمرة منذ وصول النظام للسلطة في العام
1989م تظل هي معركة انتخابات نقابة المحامين لما لها من مكانة قديمة في تاريخ
العمل النقابي وللدور الكبير الذي يجب ان يلعبه حراس العدالة في السودان في سبيل استرداد
الديمقراطية وسيادة حكم القانون في الدولة
ألسودانية كما أن اعداد المحامين تكاد تكون محصورة ومعروفة بشكل دقيق من خلال
الكشوف السنوية لجداول المحامين (الرول) ومن خلال معرفة المحامين في المناطق ومن
خلال المحاكم لبعضهم البعض وبالرغم من قيام عملية انتخابات النقابة بشكل دوري
ومستمر إلا أنه ومن الملاحظ أن المعارضة السودانية ظلت على الدوام تفشل في انتزاع
النقابة من براثن المحامين المنتمين للسلطة الحاكمة ومن خلال ذلك يأتي السؤال كيف يسقط
تحالف المحامين الديمقراطيين في معركة انتخابات نقابة المحامين السودانيين على
الدوام وبالأخص عن دورة (2014م-2017م) سؤال يحتاج للوقوف عنده كثيراً والحديث عن
أسباب الفشل بكل شفافية, حيث اننا لا يجب أن نرمي بالفشل على النظام الحاكم لوحده
بل يجب ان نراجع جميع الجوانب التي تؤدي الى الإخفاق المتواصل منذ العام 1989م
وحتى المعركة الاخيرة في 31 /12/2013م وذلك كما يلي:
1. بحسب النتائج المعلنة في انتخابات هذه الدورة فقد
جاءت النتيجة النهائية بفوز قائمة محامي النظام بعدد (3174) صوت مقابل (1620) صوت
لقائمة تحالف المحامين الديمقراطيين ومع عدم وضوح الرؤية حول عدد الأصوات التالفة
في تلك الانتخابات والعدد الإجمالي للذين أدلوا بأصواتهم فيها , ولكن من خلال معطيات الأرقام نلاحظ أن الاقبال
على هذه الانتخابات تعتبر الأقل من الانتخابات السابقة فجملة عدد المحامين السودانيين
يبلغ اكثر من (24.000) محامي مقيد ضمن جدول المحامين , أما عدد الذين يحق لهم
التصويت فقد بلغ (15.606 محامي) وذلك بحسب الكشوف النهائية ومجموع الذين ادلوا
بأصواتهم (الأصوات الصحيحة) بحسب النتيجة النهائية (بخلاف التالف) يبلغ (4.794
صوت) وبالتالي ما نسبته (19.9%) من إجمالي عدد المحامين المسجلين بجدول المحامين
(الرول) وما نسبته (30.7%) من إجمالي عدد الذين يحق لهم التصويت بحسب الكشف
النهائي وهذا إن دل إنما يدل على عزوف تام عن عملية التصويت والانتخابات بشكل عام
حيث ان نسبة التالف بأي حال من الاحوال لن تتجاوز في تقديري 10% الى 15% من إجمالي
عدد الذين قاموا بالتصويت الفعلي وهذا مؤشر خطير على أن حراس العدالة بالسودان غير
حريصين على انتخابات النقابة بأي شكل من الأشكال وهذا بالتأكيد لا يصب في مصلحة
حماية الحريات والحقوق العامة والديمقراطية فى السودان حيث كانت نقابة المحامين منذ القدم
على الدوام حارساً للعدالة وعلى الحريات والحقوق وتتصدى للانتهاكات في مجال حقوق
الإنسان وغيره من الانتهاكات القانونية في ظل الانظمة ألشمولية وإذا ما قارنا
أرقام الانتخابات الحالية مع انتخابات 31 ديسمبر 2009م نجد ان جملة عدد المحامين السودانيين
كان يبلغ حوالى (20.000) محامي مقيد ضمن جدول ألمحامين أما عدد الذين يحق لهم
التصويت فقد بلغ (10.733 محامي) وذلك بحسب الكشوف النهائية , وقد جاءت النتيجة
النهائية بفوز قائمة محامي النظام بعدد (3843) صوت مقابل (1315) صوت لقائمة تحالف
المحامين الديمقراطيين ومجموع الذين ادلوا بأصواتهم (الأصوات الصحيحة) بحسب
النتيجة النهائية (بخلاف التالف) يبلغ (5158 صوت) وبالتالي ما نسبته (25.9%) من
إجمالي عدد المحامين المسجلين بجدول كشوف المحامين (الرول) وما نسبته (48%) من
إجمالي عدد الذين يحق لهم التصويت بحسب الكشف النهائي لتلك الانتخابات , ومن
الملاحظ على الارقام بين الانتخابات في العام 2009م والعام 2013م نجد ان نسبة من
صوتوا في الإنتخابات الاخيرة قد أنخفض من 29.9% الى 19.9% بالرغم من أن عدد
المحامين قد زاد حوالي (4.000 محامي) في الفترة بين الانتخابات السابقة والحالية
وكذلك نجد ان هنالك انخفاض في عدد الذين صوتوا لصالح قائمة النظام من (3843) في الانتخابات
السابقة إلى(3174) بواقع نسبة انخفاض تبلغ 17.4% مع ارتفاع في نسبة عدد الذين صوتوا لصالح
تحالف المحامين الديمقراطيين من عدد (1315) الى (1620) وذلك بنسبة 18.8% ومع ذلك
عجز التحالف من انتزاع النقابة , وبغض النظر عن الاتهامات التي كالها التحالف
للعملية الانتخابية ووصفها بالمزورة فإن الارقام الموجودة تدل على واقع خطير في
اوساط المحامين السودانيين وكنا نتمنى ان تكون الإحصائية أكثر دقة وتوضح إجمالي
عدد الذين ادلوا بأصواتهم في الانتخابات وعدد مراكز الاقتراع وسجلات الناخبين بحسب
سجلات المحامين لكل مركز وتوزيعاتها وعدد الذين صوتوا للقوائم بخلاف منصب النقيب
وكم نال اكثر مرشح ومن هو الاقل اصواتاً حتى يمكننا القياس بشكل دقيق اين تكمن
مواقع الخلل وهل العزوف عن الانتخابات في اوساط الجيل القديم من المحامين ام الوسط
ام الجيل الحديث مع الأخذ في عين الاعتبار ان الجيل الحديث من المحامين الذين
تخرجوا ونالوا رخصة مزاولة المهنة بعد العام 2000م يبلغ اكثر من 80% من إجمالي
المحامين السودانيين.
2- عدم تقييم تجارب الانتخابات السابقة يساهم في
دخول معركة انتخابات النقابة من قبل التحالف وكأنها المرة الأولى التي يدخل فيها
التحالف لتلك الانتخابات فحتى اللحظة لم تنشر أو تعمم التجارب السابقة للانتخابات
على المحامين برغم أن ذلك من السهولة واليسر حيث ان أي محامي بالسودان يمارس
المهنة معلوم المكان والعنوان , كما ان تشكيل التحالف في الفترة قبل الانتخابات
فقط (تشكيل موسمي) يساهم في إضعاف العملية الدعائية للتحالف وبالتعريف ببرامجه
ويقلل من نسبة قبوله وسط المحامين الغير منتمين لأي من الجانبين بل ولا يساهم في
التعريف بالنقابة نفسها وأهميتها بالنسبة للمحامين حتى يشجع المحامين على التدافع
للتصويت فقد بدأ التحالف نشاطه المعلن وحملته الانتخابية لانتخابات نقابة المحامين
السودانيين للعام 2013م بتاريخ 30/11/2013م بدار حزب الامة وذلك تحت شعار (من هنا
يبدأ التغيير) بالرغم من أن تاريخ الانتخابات معلوم منذ نهاية انتخابات العام
2009م وهذا في حد ذاته لا يصب في مصلحة التحالف , حيث ان معركة النقابة يجب ان
تكون معركة مستمرة ما بين كل مرحلة انتخابية ودورة نقابة حتى ترسخ العملية
الديمقراطية بين المحامين انفسهم وتجعلهم
في استعداد مبكر للانتخابات القادمة , كما ان التحالف دائما ما يعجز عن حشد جميع
احزاب المعارضة في قائمة موحدة وعلى الدوام وفي كل انتخابات نجد ان هنالك فصيل أو
اثنين خارج القائمة النهائية للمرشحين من التحالف وفي هذا العام قاطعت هيئة محامي
دارفور الانتخابات وكذلك حدث انشقاق داخل الحزب الاتحادي الديمقراطي كما أن المحامين
الغير منتمين لا مكان لهم في قائمة التحالف بشكل كبير وكل ذلك يصب في مصلحة محامي
السلطة ويضعف من دور التحالف في خوض المعركة الانتخابية.
3- قيادة المعركة الانتخابية على اساس انها صراع
بين احزاب السلطة وأحزاب المعارضة يساهم في نفور الكثير من المحامين من الاشتراك
فيها ويتضح ذلك جلياً في نسبة المحامين الذين يصوتون في جميع العمليات الانتخابية
المنصرمة , ويجب ان لا نغفل عن نسبة كبيرة من المحامين السودانيين غير منتمين
سياسياً وذلك يرتبط بالعملية السياسية داخل الجامعات السودانية وما صاحبها من
تعقيدات خلال الفترة الممتدة لأكثر من 20 عاما من عمر هذه السلطة , وبالتالي يجب ان يخوض تحالف المحامين
الديمقراطيين المعركة الانتخابية بالمحامين الاكثر قبولاً في أوساط المحامين وخصوصا
من بين الذين لديهم الرغبة في العمل النقابي دون انتماء حزبي من الذين يهمهم
استرداد المنبر النقابي من اجل خدمة قضايا المحامين جميعاً بغض النظر عن الانتماء
الحزبي لأي محامي ومن يهمهم كذلك الدفاع عن الحقوق والحريات , وكذلك يجب التركيز
ان تكون قوائم تحالف المحامين الديمقراطيين بنسبة لا تقل عن 75% من الجيل الجديد
من المحامين حيث انهم وفقاً لما ذكرنا أعلاه يمثلون الثقل الحقيقي للمحامين الامر
الذي سيحفز كتلة كبيرة من شباب المحامين للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات.
4- مركزية الانتخابات تساهم في نفور المحامين من
الأقاليم من الحضور الى العاصمة وذلك نظراً الى ان العملية الانتخابية تتم في فترة
ضيقة حيث أن الفترة بين نشر الكشوف المبدئية الى عملية الاقتراع لا تتجاوز عشرة
أيام وهي فترة قصيرة لا تمكن المحامين في الاقاليم من الحضور الى الخرطوم لمراجعة وإدراج
اسماؤهم في كشوف الانتخابات , كما انه يصعب على المحامي ان يترك اعماله في
الاقاليم ليتفرغ للانتخابات حيث ان العديد منهم يرتبط بأعمال في تلك الفترة اضافة
الى ان كشوف الانتخابات تنشر على بوردات في حوائط النقابة الامر الذي يسبب ارهاقاً
للمحامين في البحث والتقصي عن وجود اسماؤهم في تلك الكشوف , كما ان التحالف ظل
يشتكي على الدوام من قدرات محامي النظام المتوفرة لجلب الاصوات للمحامين من
الاقاليم المختلفة وهو امر لا يستطيع التحالف ان يقوم به لضيق ذات اليد , كما أن
توزيع مراكز الاقتراع في مختلف مناطق العاصمة يسبب رهقاً وضيقاً اضافياً للمحامين
الامر الذي يؤدي الى العزوف المستمر عن الانتخابات.
5- ان عملية الانتخابات لا ترتبط بالاقتراع فقط
وإنما هي سلسلة مترابطة من الإجراءات الانتخابية تكمل بعضها البعض ولكي تكون
العملية الانتخابية نزيهة وشفافة يجب ان تكون جميع الاجراءات المرتبطة بالانتخابات
صالحة لممارسة الديمقراطية بشكل كبير , وبالنظر للائحة الانتخابات الخاصة
بالانتخابات الاخيرة نجد ان تحالف المحامين الديمقراطيين قام بالطعن فيها بأنها لا
تصلح لإجراء انتخابات نزيهة , وكذلك تم التذمر من الكشوف المبدئية وما احتوته من
أسماء ومن فترة الطعون فيها ومن عدم قبول الطعون المقدمة على تلك الكشوف , كما ان
العديد من المحامين المسددين لاشتراكاتهم لا يجدون أسماؤهم في الكشوف النهائية
للاقتراع وكذلك إجراء الجمعية العمومية وخطاب الدورة والميزانية في فترة قصيرة
وخلال يوم واحد لا تمكن المحامين من النقاش السليم عليها بعد , كما أنه وبنشر
الكشف النهائي تكون جميع الطعون اثناء فترة الاقتراع تحصيل حاصل وغير مجدية حيث ان
اللجان القضائية المشرفة على الاقتراع ترفض جميع الطعون اثناء العملية الانتخابية
وذلك لان باب الطعون يقفل قبل عملية الاقتراع (اجرائي) وغيرها من الملاحظات التي
كان في تقدير التحالف بأنها تقدح في نزاهة الانتخابات ومع ان ذلك القدح حصل في
جميع الانتخابات السابقة إلا ان التحالف يواصل المعركة الانتخابية الى نهايتها
بالرغم من حتمية السقوط فيها وفي تقديري ان مقاطعة الانتخابات ابتداء افضل من
مواصلة معركة خاسرة منذ البداية وذلك افضل حيث ان الشرعية المكتسبة لنقابات
المحامين المتعاقبة تقدمها التحالفات المختلفة لها على طبق من ذهب ودون عناء.
في تقديري ان المعركة الانتخابية للمحامين لا يجب
ان تبدأ قبل الانتخابات القادمة بل يجب ان تكون معركة مستمرة يناضل فيها جميع
المحامين على السواء من اجل انتخابات حرة ونزيهة فاستقلالية وشرف المهنة يجب ان
يكون ارفع من كل خيار اَخر لجميع المحامين فمهنة المحاماة ونقابتها يجب ان لا تكون
رهينة بيد السلطة وكذلك لا يجب ان تكون مطمحاً للمعارضة من اجل منازلة السلطة فقط وإنما
يجب ان تكون معركة من اجل الحرية والديمقراطية وسيادة حكم القانون ولقد ظهر جلياً ان
نقابة المحامين ترتكز على موارد مالية ضخمة وفقاً لما يظهر من خلال خطابات الدورة
والميزانية المختلفة ويكفي ان الايرادات قد بلغت في الدورة السابقة مبلغ (28)
مليار جنيه وفي تقديري ان هذا رقم مهول يكفي لان يكون المحامي السوداني مميزاَ من
خلال استغلال هذه الاموال في تطوير المهنة والمحامي على حد سواء ويجعل النقابة في
وضع مستقل عن جميع النقابات الاخرى والدولة ويجعلها في مكانة مرموقة في خارطة
النقابات السودانية ويساهم في تثبيت سيادة حكم القانون وترسيخه في السودان.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق